.من البحر المتوسط إلى مجمعات الاحتيال في آسيا… كيف تتغير طرق العصابات مع كل أزمة جديد
لا تتحرك شبكات الاتجار بالبشر وفق حدود الدول، بل وفق الفرص فكلما اندلعت حرب، أو انهار اقتصاد، أو ضعفت الرقابة على الحدود، ظهرت مسارات جديدة تستغل حاجة الناس إلى النجاة أو العمل أو الهجرة. ويؤكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة للهجرة (IOM) أن الشبكات الإجرامية تتكيف بسرعة مع المتغيرات الجيوسياسية، فتغيّر طرقها ووسائلها باستمرار (UNODC) والمنظمة الدولية
: و تتركز أبرز هذه المسارات اليوم

أولاً: البحر المتوسط… الطريق الذي لا يغلق
يظل البحر المتوسط أحد أكثر ممرات الهجرة غير النظامية نشاطًا، ويستغله مهربون في نقل أشخاص من شمال إفريقيا نحو أوروبا تنطلق الرحلات غالبًا من أجزاء من السواحل الليبية والتونسية باتجاه إيطاليا ومالطا، ومن تركيا باتجاه اليونان. وتشير الأمم المتحدة إلى أن بعض المهاجرين يتعرضون قبل الإبحار للاحتجاز والابتزاز والعنف على يد جماعات إجرامية، مع اختلاف الجهات المتورطة بحسب المنطقة
و يبقى هذا المسار نشطًا لعدة عوامل أهمها
القرب الجغرافي من أوروبا – استمرار النزاعات وعدم الاستقرار في بعض دول المنشأ والعبور
الطلب على خدمات التهريب – الأرباح الكبيرة مقارنة بانخفاض تكلفة القوارب المستخدمة
ثانياً: الأطلسي… الطريق الأكثر خطورة
خلال الأعوام الأخيرة ازداد استخدام الطريق البحري الممتد من غرب إفريقيا إلى جزر الكناري الإسبانية
ويتميز هذا المسار بطول الرحلة وخطورة المحيط، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الوفيات والمفقودين بحسب تقارير المنظمة الدولية للهجرة
ثالثاً: أمريكا الوسطى والمكسيك
أصبح ممر داريين (Darién Gap) بين كولومبيا وبنما أحد أكثر الطرق استخدامًا من قبل المهاجرين خلال السنوات الأخيرة وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن كثيرًا من الأشخاص يتعرضون أثناء الرحلة للسرقة أو العنف أو الابتزاز أو
الاستغلال، بينما تستفيد جماعات إجرامية من السيطرة على أجزاء من الطريق وعند الوصول إلى المكسيك، قد يقع بعض المهاجرين ضحية الابتزاز أو الاختطاف أو العمل القسري، في حين تواصل السلطات تنفيذ عمليات لمكافحة شبكات التهريب
رابعاً: جنوب شرق آسيا… مركز الاحتيال العالمي
ربما يكون هذا هو التحول الأكبر خلال العقد الأخير فبدلاً من استغلال الضحايا في المصانع أو المزارع فقط، كشفت الأمم المتحدة عن انتشار مجمعات ضخمة في مناطق حدودية من ميانمار ولاوس وكمبوديا، يُجبر فيها أشخاص من عشرات الجنسيات على تنفيذ عمليات احتيال إلكتروني تستهدف ضحايا حول العالم
حيث تعمل اولا بتقديم
وعود بوظائف تقنية – السفر بتأشيرات نظامية – ثم تقوم بمصادرة الجوازات- إجبار الضحايا على تنفيذ عمليات احتيال
التعذيب أو البيع إلى مجموعات أخرى عند رفض العمل
ويعد هذا النموذج مثالًا على تداخل الاتجار بالبشر مع الجرائم الإلكترونية
خامساً: شرق إفريقيا والقرن الإفريقي
تظل بعض مناطق القرن الإفريقي نقطة انطلاق أو عبور للمهاجرين واللاجئين بسبب النزاعات والجفاف والأزمات الاقتصادية وتشير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن هذه الظروف تزيد من مخاطر تعرض الأشخاص للاستغلال أثناء التنقل، سواء في مسارات برية أو بحرية
سادساً: الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي
شهدت الحدود بين بيلاروسيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة تدفقات متقطعة للمهاجرين، وسط توترات سياسية وأمنية
وتؤكد منظمات دولية أن كثيرًا من الأشخاص وجدوا أنفسهم عالقين في ظروف إنسانية صعبة، بينما استغل بعض الوسطاء هذه الأوضاع لتحقيق أرباح من وعود العبور
خريطة مختصرة لأبرز الممرات
المسار أبرز المخاطر
ليبيا / تونس → إيطاليا الغرق، الاحتجاز، الابتزاز
تركيا → اليونان التهريب البحري والبري
غرب إفريقيا → الكناري الرحلات الطويلة والغرق
داريين → المكسيك العنف والابتزاز
القرن الإفريقي الاستغلال أثناء النزوح
جنوب شرق آسيا الاتجار والعمل القسري والاحتيال الإلكتروني

أن الحملات الأمنية وحدهالا تنجح فرغم تنفيذ الإنتربول واليوروبول والسلطات الوطنية عمليات مشتركة أسفرت عن توقيف آلاف المشتبه بهم وإنقاذ ضحايا، فإن الخبراء يشيرون إلى أن الشبكات تعيد تشكيل نفسها بسرعة مستفيدة من
الفقر- النزاعات – الطلب المستمر على خدمات التهريب – الفساد حيثما يوجد – ضعف التنسيق بين بعض الدول
.الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا
لا تنتهي معاناةالضحايا بعد إنقاذهم وبمجرد التحرير فكثير من الضحايا يحتاجون إلى: علاج طبي- دعم نفسي- حماية قانونية – سكن مؤقت – المساعدة في العودة الطوعية أو الاندماج – برامج تدريب وفرص عمل – وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن غياب هذه البرامج قد يزيد من خطر
تعرض بعض الناجين للاستغلال مرة أخرى

: وللحد من هذه الظاهرة ووفق توصيات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، فإن المواجهة الفعالة تتطلب
تجفيف مصادر التمويل – تعزيز التعاون القضائي الدولي – ملاحقة الشبكات المالية وليس المنفذين فقط
تنظيم قطاع التوظيف والوساطة – رفع الوعي العام بمخاطر عروض العمل الوهمية
دعم اللاجئين والنازحين والفئات الأكثر هشاشة – تحسين تبادل المعلومات بين أجهزة إنفاذ القانون
ومن أهم المعلومات التي يجب ملاحظتها
مؤشرات قد تدل على عرض عمل احتيالي – راتب مرتفع بشكل غير منطقي- رفض إجراء مقابلة عمل حقيقية
طلب رسوم مقابل التوظيف – استعجال السفر- طلب الاحتفاظ بجواز السفر عند الوصول – غياب عنوان واضح أو معلومات يمكن التحقق منها عن جهة العمل
تكشف هذه السلسلة أن الاتجار بالبشر لم يعد نشاطًا هامشيًا تديره مجموعات صغيرة، بل منظومة إجرامية مرنة تستفيد من الأزمات الإنسانية، والثغرات القانونية، والتطور التقني. وبينما تتبدل مسارات التهريب من البحر المتوسط إلى أدغال أمريكا اللاتينية أو الحدود الآسيوية، يبقى العامل المشترك واحدًا: استغلال الإنسان لتحقيق الربح
وتؤكد التجارب الدولية أن ملاحقة المهربين على الحدود، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها. فالتأثير الحقيقي يبدأ بتفكيك الشبكات المالية، وتعزيز التعاون الدولي، وحماية الضحايا، والحد من الظروف التي تجعل ملايين البشر عرضة للاستغلال. وفي النهاية، لا تُقاس فاعلية الدول بعدد القوارب التي تُصادر أو الموقوفين الذين يُعلن عنهم، بل بقدرتها على تقليص عدد الأشخاص الذين يقعون أصلًا في شباك هذه الجريمة
________________________________________
أهم المراجع
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، Global Report on Trafficking in Persons
المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، تقارير Missing Migrants وتقارير الحماية
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) تقارير النزوح والحماية
منظمة العمل الدولية (ILO)، Profits and Poverty: The Economics of Forced Labour
الإنتربول (INTERPOL) تقارير العمليات المشتركة ضد الاتجار بالبشر
اليوروبول (Europol)، EU Serious and Organised Crime Threat Assessment (SOCTA)
مجموعة العمل المالي (FATF) تقارير غسل الأموال المرتبط بالاتجار بالبشر

