محرر الصحة النفسية : QNN24 إعداد
في كل ثلاث ثوانٍ تقريبًا، يُشخَّص شخص جديد بالخرف في مكان ما حول العالم، ويظل مرض الزهايمر المسؤول الأول عن غالبية هذه الحالات إنه ليس مجرد فقدان تدريجي للذاكرة، بل مرض عصبي معقد يسرق الذكريات والقدرة على التفكير والاستقلالية ، ويترك آثارًا نفسية واجتماعية واقتصادية تمتد إلى الأسرة والمجتمع بأكمله
ورغم التقدم العلمي اللافت خلال السنوات الأخيرة، لا يزال العلماء يؤكدون أن الطريق نحو علاج شافٍ للزهايمر لم يكتمل بعد، بينما تتركز الجهود الحالية على التشخيص المبكر وإبطاء تطور المرض وتحسين جودة حياة المرضى. ويستعرض هذا التقرير أبرز الحقائق العلمية حول المرض، وتطور العلاجات، وأحدث ما توصل إليه الباحثون

من اكتشف مرض الزهايمر؟
بدأت قصة المرض مطلع القرن العشرين عندما لاحظ الطبيب الألماني ألويس ألزهايمر أعراضًا غير مألوفة لدى مريضة كانت تعاني فقدانًا شديدًا للذاكرة واضطرابات في السلوك والإدراك. وبعد وفاتها، كشف فحص دماغها عن ترسبات بروتينية وتشابكات عصبية غير طبيعية، ليصبح هذا الاكتشاف نقطة تحول في علم الأعصاب، ويُطلق لاحقًا اسم “مرض الزهايمر” على هذا الاضطراب العصبي
ماذا يحدث داخل الدماغ؟ يحدث المرض نتيجة تراكم بروتينات غير طبيعية داخل الدماغ، أبرزها :
بيتا أميلويد (Beta-amyloid) الذي يتجمع بين الخلايا العصبية ويعيق التواصل بينها
بروتين تاو (Tau) الذي يتشابك داخل الخلايا العصبية، ما يؤدي إلى تعطيل وظائفها وموتها تدريجيًا
ومع مرور الوقت تتراجع قدرات الدماغ على التذكر والتفكير واتخاذ القرار، قبل أن يفقد المريض القدرة على القيام بأبسط الأنشطة اليومية
عوامل تزيد خطر الإصابة
يشير الخبراء إلى أن التقدم في العمر يبقى العامل الأكثر تأثيرًا، إلا أن هناك عوامل أخرى قد تزيد احتمالية الإصابة، منها
الاستعداد الوراثي وبعض الطفرات الجينية -ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب -ارتفاع الكوليسترول -التدخين
إصابات الرأس المتكرر, وقلة النشاط البدني وضعف نمط الحياة الصحي
يصنف الأطباء الزهايمر إلى :
الزهايمر المتأخر
ويظهر غالبًا بعد سن الخامسة والستين، وهو الشكل الأكثر انتشارًا
الزهايمر المبكر
ويظهر قبل ذلك بسنوات، وقد يرتبط بعوامل وراثية نادرة، ويمثل نسبة محدودة من الحالات
أرقام تثير القلق
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 57 مليون شخص يعيشون مع الخرف حول العالم،
و 70 من تلك الحالات % – 60 ويشكل الزهايمر
وتتوقع الدراسات أن يرتفع العدد إلى أكثر من 150 مليون مصاب بحلول عام 2050 إذا لم يتم التوصل إلى علاجات أكثر فاعلية
كما تظهر الإحصاءات أن النساء يمثلن نحو ثلثي المصابين، ويرتبط ذلك بارتفاع متوسط العمر المتوقع إضافة إلى عوامل بيولوجية وهرمونية
هل أصبحت الأدوية قادرة على علاج الزهايمر؟ شهدت الأعوام الأخيرة اعتماد أدوية حديثة مثل
والتي تستهدف إزالة ترسبات بروتين “بيتا أميلويد” من الدماغ Leqembi (Lecanemab) وKisu(Donanemab)
لكن، وعلى الرغم من الضجة العلمية والإعلامية، يؤكد الباحثون أن هذه العلاجات لا تشفي المرض ولا تعيد الذاكرة المفقودة، وإنما تساعد على إبطاء التدهور المعرفي لدى المرضى في المراحل المبكرة بنسبة محدودة، مع الحاجة إلى متابعة دقيقة
لاحتمال ظهور مضاعفات مثل تورم الدماغ أو النزيف المجهري لدى بعض المرضى

العلامات المبكرة التي تستدعي الانتباه
يؤكد المختصون أن الاكتشاف المبكر يمنح المريض فرصة أفضل للاستفادة من العلاجات المتاحة، ومن أبرز المؤشرات:
تكرار نسيان المعلومات الحديثة – تكرار الأسئلة نفسها – صعوبة التخطيط أو حل المشكلات -فقدان الإحساس بالزمان والمكان – صعوبة إيجاد الكلمات المناسبة أثناء الحديث – وضع الأشياء في أماكن غير منطقية – ضعف اتخاذ القرارات
الانسحاب من الحياة الاجتماعية – تغيرات واضحة في المزاج والسلوك – آثار تتجاوز المريض
لا يقتصر تأثير الزهايمر على المصاب وحده، إذ يتحول تدريجيًا إلى عبء نفسي واجتماعي واقتصادي على الأسرة
ويحتاج كثير من المرضى إلى رعاية على مدار الساعة، الأمر الذي يدفع أفراد العائلة إلى ترك أعمالهم أو تقليل ساعات العمل ، بينما تقدر التكلفة الاقتصادية العالمية للخرف بأكثر من 1.3 تريليون دولار سنويًا نتيجة نفقات العلاج والرعاية وفقدان الإنتاجية
ولكننا نتسأل هل يمكن الوقاية؟
حتى الأن لا توجد وسيلة تضمن منع الإصابة، لكن الدراسات تشير إلى أن تبني نمط حياة صحي قد يقلل خطر الإصابة بشكل ملحوظ، وذلك عبر
ممارسة الرياضة بانتظام – اتباع النظام الغذائي المتوسطي – المحافظة على ضغط الدم والسكر والكوليسترول
النوم الكافي – النشاط الذهني المستمر بالقراءة والتعلم – الحفاظ على العلاقات الاجتماعية – الإقلاع عن التدخين
مستقبل العلاج
يركز الباحثون حاليًا على تطوير لقاحات علاجية، وتقنيات للعلاج الجيني، واختبارات دم قادرة على اكتشاف المرض قبل سنوات من ظهور أعراضه، في محاولة للتدخل المبكر قبل حدوث تلف دائم في الخلايا العصبية , ويرى الخبراء أن القضاء الكامل على الزهايمر قد لا يتحقق عبر دواء واحد، بل من خلال مزيج من العلاجات التي تستهدف بروتينات الأميلويد وتاو والالتهابات العصبية معًا، إلى جانب التشخيص المبكر وتعديل نمط الحياة
خلاصة القول
رغم التقدم العلمي الكبير، لا يزال مرض الزهايمر يمثل أحد أكبر التحديات الصحية في العالم. وبينما تبعث العلاجات الحديثة على الأمل بإبطاء تطور المرض، فإن الوقاية، والكشف المبكر، والاستثمار في الأبحاث العلمية، تبقى الركائز الأساسية لمواجهة ما يوصف بأنه أحد أخطر أمراض القرن الحادي والعشرين
المصادر
منظمة الصحة العالمية (WHO): https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/dementia
Alzheimer’s Association: https://www.alz.org
National Institute on Aging (NIA): https://www.nia.nih.gov/health/alzheimers
Mayo Clinic: https://www.mayoclinic.org
NHS (المملكة المتحدة): https://www.nhs.uk/conditions/alzheimers

