بقلم: رئيس التحرير
في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بتصاعد المخاطر الجيوسياسية ، وارتفاع تكاليف التمويل، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، لا تزال المملكة المتحدة تحافظ على مكانتها كإحدى أبرز الوجهات العالمية للاستثمار (FDI) الأجنبي المباشرمستندة إلى منظومة تشريعية مستقرة، وقضاء مستقل، ومؤسسات مالية عريقة، وسياسات حكومية تستهدف استقطاب رؤوس الأموال النوعية في القطاعات المستقبلية
ورغم التراجع العالمي في عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي خلال العام المالي2025-2026 فإن بريطانيا نجحت في استقطاب 1,020 مشروعاً استثمارياً أجنبياً، فيما ارتفع الإنفاق الرأسمالي للمشاريع المدعومة حكومياً إلى 37.818 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بـ27.687 مليار جنيه في العام السابق، وهو ما يعكس انتقال المستثمرين نحو مشاريع أقل عدداً وأكثر قيمة وتأثيراً اقتصادياً

بريطانيا… أكثر من سوق استهلاكي
لا ينظر المستثمر الدولي إلى المملكة المتحدة باعتبارها سوقاً يضم أكثر من 68 مليون مستهلك فقط، وإنما باعتبارها منصة عالمية لإدارة الأعمال تربط بين أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، وتحتضن واحداً من أكبر المراكز المالية والتكنولوجية في العالم
: وتستند هذه المكانة إلى خمسة عناصر رئيسية
استقرار النظام السياسي والمؤسسات الاقتصادية
استقلال القضاء وسيادة القانون
حرية انتقال رؤوس الأموال والأرباح
سوق مالية متطورة
منظومة ابتكار وجامعات تعد من الأفضل عالمياً
أولاً: لماذا تعد بريطانيا “ملاذاً آمناً” للمستثمر الأجنبي؟
قوة النظام القانوني –
يعتمد الاقتصاد البريطاني على نظام القانون العام (Common Law) الذي يعد من أكثر الأنظمة القانونية احتراماً في العالم
ويمنح هذا النظام المستثمرين:
حماية كاملة للملكية الخاصة –
– حماية قوية للملكية الفكرية
مساواة بين المستثمر المحلي والأجنبي –
سرعة وكفاءة في الفصل بالنزاعات التجارية ولهذا السبب، تختار آلاف الشركات العالمية القانون البريطاني –
لتنظيم عقودها الدولية حتى وإن كانت أعمالها خارج المملكة المتحدة
حرية انتقال الأموال –
: من أهم المزايا التي يبحث عنها المستثمر الدولي
عدم وجود قيود على تحويل الأرباح-
حرية إدخال وإخراج رؤوس الأموال-
عدم وجود قيود على العملات الأجنبية –
الجنيه الإسترليني من العملات الحرة عالمياً –
وهذا يمنح المستثمر مرونة مالية كبيرة مقارنة بعدد من الأسواق الناشئة
الاستقرار التشريعي –
رغم تغير الحكومات، تحافظ بريطانيا على استقرار بيئة الأعمال
: وتتسم التشريعات الاقتصادية بأنها
بعيدة عن القرارات المفاجئة – تخضع للمشاورات العامة – قابلة للتنبؤ – واضحة –
وهذا ما يمنح المستثمر القدرة على وضع خطط استثمارية تمتد لعشر سنوات أو أكثر
ثانياً: الاستراتيجية الصناعية الحديثة… رؤية الحكومة حتى العقد المقبل
أطلقت الحكومة البريطانية الاستراتيجية الصناعية الحديثة (Modern Industrial Strategy)بهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات في القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، والطاقة النظيفة، وعلوم الحياة، والخدمات المالية المتقدمة، مع التركيز على رفع الإنتاجية وتطوير المهارات وجذب الاستثمارات طويلة الأجل
: وتقوم الاستراتيجية على
دعم القطاعات عالية النمو -تسريع الموافقات الحكومية- تطوير المهارات- تشجيع البحث والابتكار -توسيع الشراكات مع القطاع الخاص
ثالثاً: الحوافز الحكومية للمستثمرين
: توفر الحكومة البريطانية مجموعة واسعة من الأدوات التي تساعد المستثمر الأجنبي، من أبرزها
Global Entrepreneur Programme برنامج
وهو أحد أهم البرامج الحكومية لدعم الشركات الابتكارية ورواد الأعمال العالميين الراغبين في تأسيس أو نقل أعمالهم إلى المملكة المتحدة، ويوفر الإرشاد، وربط المستثمرين بشبكات الأعمال والتمويل والجامعات
(National Wealth Fund) صندوق الثروة الوطني
يعمل الصندوق على تحفيز مشاركة القطاع الخاص في تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة، بما يسهم في تقليل المخاطر الاستثمارية وجذب رؤوس الأموال إلى القطاعات الاستراتيجية
أنشأت الحكومة شركة Great British Energy كشركة استثمارية عامة لدعم مشاريع الطاقة النظيفة بالشراكة مع القطاع الخاص، ورُصد لها تمويل حكومي يصل إلى 8.3 مليارات جنيه إسترليني خلال الدورة البرلمانية الحالية، بما يعزز جذب المستثمرين في الطاقة المتجددة
رابعاً : لا يوجد حد أدنى للاستثمار
: من أكثر النقاط التي تميز السوق البريطانية
يمكن تأسيس شركة Ltd برأس مال يبدأ من جنيه إسترليني واحد
لا توجد قيود على جنسية المساهمين
لا يوجد سقف أعلى للاستثمارات الأجنبية
ويستثنى من ذلك القطاعات المرتبطة بالأمن القومي، التي تخضع لمراجعة بموجب قانون الأمن القومي والاستثمار (National Security and Investment Act)عندما تبلغ نسب الملكية أو السيطرة حدوداً محددة في قطاعات حساسة مثل الدفاع والطاقة النووية والاتصالات

خامساً: القطاعات الأكثر جذباً للاستثمار
|
القطاع |
أسباب الجاذبية |
|
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي |
أكبر مركز تكنولوجي في أوروبا |
|
الخدمات المالية |
لندن من أكبر المراكز المالية عالمياً |
|
الطاقة المتجددة |
دعم حكومي وعقود طويلة الأجل |
|
مراكز البيانات |
طلب متزايد مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي |
|
التكنولوجيا المالية (FinTech) |
بيئة تنظيمية مرنة وتجريبية |
|
الخدمات المهنية |
نمو سريع واستثمارات دولية |
سادساً: أمثلة حديثة على الاستثمارات الأجنبية
Microsoft
أعلنت الشركة عن توسيع استثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات داخل المملكة المتحدة، ضمن خطتها العالمية لتعزيز قدرات الحوسبة السحابية
Amazon Web Services (AWS)
تواصل الشركة تنفيذ استثمارات بمليارات الجنيهات لتوسعة مراكز البيانات السحابية بما يدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية

قطاع طاقة الرياح البحرية
شهدت السواحل البريطانية تدفق استثمارات أوروبية وآسيوية ضخمة لتطوير مشاريع الرياح البحرية، مدعومة بآلية عقود الفروقات (Contracts for Difference) التي تمنح المستثمرين استقراراً في الإيرادات على المدى الطويل
الخدمات المالية
استمرت شركات أمريكية وآسيوية وهندية في توسيع عملياتها داخل لندن، إلى جانب افتتاح مراكز تشغيل جديدة في برمنغهام وبلفاست وكارديف وغلاسكو، بما يعكس توسع النشاط الاستثماري خارج العاصمة

سابعاً: الاستثمار العربي… من العقارات إلى التكنولوجيا
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في طبيعة الاستثمارات العربية داخل بريطانيا
: فبعد أن كانت العقارات الفاخرة تمثل الوجهة الأولى لرأس المال العربي، أصبحت الاستثمارات تتجه نحو
الذكاء الاصطناعي – الأمن السيبراني – التكنولوجيا المالية -الطاقة النظيفة- مراكز البيانات – رأس المال الجريء
كما يُتوقع أن تعزز اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي من تدفقات الاستثمار والتجارة بين الجانبين، مع توفير إطار أكثر دعماً للاستثمارات والخدمات
ثامناً: ماذا تقول الأرقام؟
أظهرت بيانات وزارة الأعمال والتجارة البريطانية لعام 2025-2026
مشروع استثمار أجنبي : 1,020 –
37.818 : مليار جنيه إنفاق رأسمالي للمشاريع المدعومة-
وظيفة جديدة : 69,166 –
وظائف جرى الحفاظ عليها16,407 –
أكثر من 6 مليارات جنيه أثراً اقتصادياً مقدراً للمشاريع المدعومة من الوزارة
وخلاصة القول أنه
رغم انخفاض عدد مشاريع الاستثمار مقارنة بالسنوات السابقة، فإن قراءة الأرقام تكشف اتجاهاً مختلفاً؛ فالمملكة المتحدة باتت تستقطب استثمارات أكبر حجماً وأكثر كثافة رأسمالية، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية الرقمية، وهي قطاعات يُنظر إليها بوصفها محركات الاقتصاد البريطاني خلال العقد المقبل
ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل تستقطب بريطانيا الاستثمارات؟ بل أصبح: أي نوع من الاستثمارات تريد بريطانيا استقطابه؟
الإجابة تبدو واضحة في سياسات الحكومة الحالية؛ فالأولوية لم تعد لزيادة عدد المشاريع فحسب، بل لاستقطاب استثمارات استراتيجية قادرة على خلق وظائف نوعية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الإنتاجية، ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وابتكاراً
: المصادر الرسمية المعتمدة للمقال
وزارة الأعمال والتجارة البريطانية (DBT) – نتائج الاستثمار الأجنبي 2025-2026
التقرير الإحصائي الكامل لنتائج الاستثمار الأجنبي (DBT)
الاستراتيجية الصناعية الحديثة للحكومة البريطانية

